الإعلام التقليدي والجديد حقائق ورهانات

الاعلانات
الإعلام التقليدي والجديد حقائق ورهانات جامعة سبها
الإعلام التقليدي والجديد حقائق ورهانات جامعة سبها

الإعلام التقليدي والجديد حقائق ورهانات

الإعلام التقليدي والجديد حقائق ورهانات

البحث في موضوع الإعلان أو الإشهار مشوق وشائك في الوقت نفسه، شيق لأنه يمكِّن صاحبه من معرفة عميقة بمقومات خطاب جماهيري متميز، ما فتئت أهميته تزداد يوماً بعد يوم، بفعل الدور الكبير الذي أصبح يؤديه في حياتنا اليومية الفردية والجماعية، لدرجة يصعب معها تصور حياة من دون إعلان. وشائك لأنه مجال شاسع ومتنوع، تتوزعه مجموعة كبيرة من الحقول المعرفية والوسائط التواصلية المختلفة، الأمر الذي يجعل البحث فيه أقرب ما يكون من هذه الناحية، لمغامرة محفوفة بالكثير من المخاطر والصعوبات، تتطلب من الباحث التسلح بالعدة المعرفية اللازمة لتجاوزها.

ولأن الخطاب الإعلاني مفهوم عام يحيل على أنواع بالكثيرة ومختلفة، باختلاف الوسائط الإعلامية المستعملة، والموزعة أساساً بين الملصق والجريدة والراديو والتلفزيون والهاتف، مع ما لذلك كله من تأثيرات كثيرة ومختلفة في تحديد الخصائص والمقاصد التعبيرية الملائمة لكل وسيط، فقد كان لزاماً علينا حصر موضوع مساهمتنا في جانب معين من هذا الموضوع تفادياً لكل خلط أو تقصير من شأنهما الإساءة إلى قيمتها المعرفية. وقد وقع اختيارنا، كما واضح من العنوان، على المقارنة بين رهانات منصات الإعلام التقليدية، ونقصد بها تحديداً الجريدة والراديو والتلفزيون والملصق وغيرها مما هو مألوف ومعروف، والجديدة، ونعني بها أساساً الوسائط الرقمية من هواتف ولوحات وحواسب وغيرها. لما لها في تقديرنا من أهمية خاصة في عالمنا الحالي.

ولتقريب جمهور القراء من حقيقة هذا الموضوع وأهميته لابد من التذكير بمسألتين مختلفتين ومتلازمتين، نعتقد أنهما على قدر كبير من الأهمية في هذا المجال:

الأولى: تتمثل أساساً في ما يمكن تسميته بالوظيفة الإعلانية العامة المشتركة بين مختلف الوسائط الإعلامية، تقليدية كانت أو جديدة. ما دام الهدف من ورائها، أولاً وأخيراً، تعريف الجمهور بمنتوج معين، وإطلاعه على مزاياه وفوائده، مقارنة بغيره من المنتوجات المماثلة الأخرى، بغية تحفيزه على شرائه واقتنائه.

لذلك نعتقد، اعتقاداً راسخاً، أن الخطاب الإعلاني من هذه الناحية، دون عن غيره من الخطابات الأخرى، فهويتميز ببناء محكم خاص، تتضافرفيه مختلف مكوناته التعبيرية بقصد تبليغ رسالة وحيدة ومحددة، لا يمكن ولا ينبغي أبداً، أن يخطئها القارئ المستهدف (le lecteur cible)، والزبون المحتمل (le client éventuel)، وإلا اصبح ذلك دليلاً قاطعاً على إخفاقه الذريع.

والثانية: مرتبطة بالأولى , وملازمة لها، وتتمثل في أن : الفرق الجوهري بين الوسائط التقليدية والجديدة لا يكمن، كما قد يعتقد خطأ، في الوظيفة الإعلانية في حد ذاتها، وإنما في كيفية إنجازها من قبل كل وسيط. وبالتالي في حجم النتائج المحصل عليها من وراء ذلك. وهو ما يعني بعبارة أخرى أن نجاح معلن أو مستشهر في مهمته التسويقية رهين بحسن اختياره للوسيط الإعلامي المعتمد في تمرير إعلانه، في علاقة ذلك طبعاً بنوعية المنتوج من ناحية، والفئة المستهدفة من ورائه من ناحية أخرى.

وبالمناسبة تجدر الإشارة إلى أن الوسائط الإعلانية التقليدية كانت ومازالت تؤذي دوراً مهماً في تنشيط الحركة الاقتصادية في مختلف المجالات، سواء من خلال تعريفها الدائم والمستمر بأهم المنتوجات وأحدثها، والمساهمة الحاسمة في الترويج لها وتحفيز الزبائن المفترضين على اقتنائها واستهلاكها، كما يعكس ذلك بحق حجم حضورها وانتشارها، فأصبحت مرتكزاً أساسياً لا غنى عنه في تدبير دواليب حياتنا اليومية وتلبيةحاجاتنا.

كل ذلك طبعا كان قبل اكتشاف الوسائط الجديدة، الرقمية منها تحديداً، بإمكاناتها التواصلية المتطورة، التي جعلتها في نظر الكثير من المهتمين، منافساً قوياً للوسائط التقليدية، لدرجة دفعت الكثير من المستشهرين لمراجعة سياساتهم الترويجية القديمة، واستبدال إعلاناتهم التقليدية بإعلانات جديدة اصدار نسخ إعلانية رقمية موازية لإعلاناتهم السابقة، رغبة منهم في الاستفادة من المردودية العالية المتطورة لهذه الوسائط الجديدة مقارنة بنظيرتها التقليدية، خصوصاً وأنها بحكم طبيعتها الرقمية المتميزة، تستطيع أكثر من غيرها استهداف أكبر عدد من الزبائن المحتملين، وفي اقرب وقت ممكن، لا داخل البلد الواحد فقط وإنما في العالم كله أيضاً.

غير أن هذا المعطى الإيجابي لا ينبغي، مع ذلك، أن يدفعنا للاعتقاد بأن الوسائط الإعلامية التقليدية انتهت مهمتها تماماً، مع هذه المنافسة الشرسة للوسائط الرقمية الجديدة. وأنها ستختفي نهائياً من المشهد الدعائي في المستقبل القريب، لتترك مكانها للوسائط الجديدة، كما يروج لذلك البعض، وهو ما لا نعتقده طبعاً، لسببين اثنين:

الأول: موضوعي عام، يتعلق أساساً بنوعية العلاقة الوظيفية التكاملية المفروض قيامها بين مختلف الوسائط الإعلامية، على اختلاف أنواعها ومؤهلاتها، كما تؤكد ذلك كل الدلائل والقرائن التاريخية, والعلمية المتوفرة، فلم نسجل أبداً على امتداد تاريخ الإنسانية الطويل، أي تنازع وظيفي بين وسيلة إعلامية تواصلية وأخرى، أياً كانت طبيعتها ودرجة كفاءتها. ما دامت لكل وسيلة وظائف تواصلية محدودة ومحددة، ملائمة ومناسبة لمقوماتها النوعية الخاصة، التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنازعها فيها وسيلة (أو وسائل) أخرى، مهما بلغت مؤهلاتها.

ناهيك طبعاً عن أن مبدأ الابتكار في هذا المجال، أضف إلى ذلك في غيره، يقوم أساساً، كما يعلم الجميع، على قاعدة توسيع الإمكانيات التواصلية القديمة وتطويرها، بما يتلاءم مع متطلبات كل مرحلة تاريخية، لا على إعادة استنساخها حرفياً بوسائل جديدة، تفادياً لما قد يتولد عن ذلك من نتائج سلبية وخيمة، يفقد معها الابتكار قيمته الوظيفية الحقيقية، ليصبح مجرد إضاعة للوقت والجهد من دون فائدة تذكر، ما دام لا يضيف شيئاً جديداً لما هو موجود سلفاً، كما تقضي بذلك القواعد العلمية المعروفة.

اترك تعليقاً

#IinformMyself